ليلة القدر…فرصة العمر / لمرابط محمد لخديم

    كلما أقبلت العشر الأواخر من رمضان، يتجدد في قلوب الصائمين انتظار ليلةٍ ليست كسائر الليالي: ليلة القدر. وليس هذا الانتظار مجرد تقليد ديني أو عادة موسمية، بل هو استجابة لمعنى قرآني عظيم؛ فقد وصفها الله بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}[سورة القدر، الآية:2]. أي أن العمل الصالح فيها يعادل عبادة أكثر من أربعٍ وثمانين سنة.
إن هذه الحقيقة وحدها كافية لتجعل هذه الليلة أهم فرصة روحية في حياة الإنسان.
    فكم من الناس يقضون أعمارهم في طلب النجاح الدنيوي، بينما يمنحهم الله في ليلة واحدة ما يعادل ثمرة عمر كامل من العبادة. ولذلك لم يكن غريبًا أن يوجّه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى البحث عنها، فقال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان»، [متفق عليه]. وفي رواية: «في الوتر من العشر الأواخر» [صحيح مسلم]. وكأن الرسالة واضحة: من أراد هذا الفضل العظيم، فعليه أن يجتهد في هذه الليالي ولا يفرّط فيها.
     غير أن السؤال الأهم ليس: متى ليلة القدر؟ بل: ماذا نطلب فيها؟
    وقد أجابت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن هذا السؤال حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ فقال:
«قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني».[ صحيح ابن ماجة والامام أحمد].
    وهنا تتجلى حكمة هذا الدعاء. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يوجّهها إلى طلب الدنيا، ولا حتى إلى طلب ثوابٍ معين، بل إلى طلب العفو. والفرق كبير بين المغفرة والعفو؛ فالمغفرة سترٌ للذنب، أما العفو فهو محوٌ للذنب من أصله كأنه لم يكن. ولهذا كان العفو أعظم ما يرجوه المؤمن من ربه.
    ولهذا قال ابن القيم رحمه الله:
       إذا تزاحمت الحاجات في قلبك وضاق الوقت، فاجعل دعاءك كله أن يعفو الله عنك؛ فإن عفا عنك أتتك حاجاتك من غير مسألة.
    إن العفو الإلهي ليس مجرد غفرانٍ عابر، بل هو بابٌ واسع يشمل صلاح الدنيا والآخرة؛ عافية في البدن، وهداية في الدين، وسلامة في المصير.
    فإذا نال العبد عفو الله، فقد فاز بما هو أعظم من كل مطلب. لهذا، فإن أعظم ما ينبغي أن يشغل المؤمن في هذه الليالي ليس البحث النظري عن ليلة القدر، بل اغتنامها بالذكر والدعاء والقيام. فرب دعوةٍ صادقة في جوف الليل تمحو ذنوب سنين، ورب دمعةٍ خاشعة تفتح أبواب القبول.
فلا تضيعوا هذه الليالي في الغفلة، وأكثروا من هذا الدعاء الذي اختصر طريق النجاة:
     اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عنا.
فلعل كلمة صادقة ترفع صاحبها إلى مقام المغفور لهم، وتجعل ليلةً واحدة سببًا في فوزٍ يمتد أثره إلى الأبد.

ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

  • Related Posts

    الضريبة على الهواتف في موريتانيا .. حين اشتعل الجدل ودفع المواطن الثمن / محمد سوله

    تحوّلت الضريبة على الهواتف في موريتانيا خلال الأيام الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الشارع، بعدما خرج النقاش من دوائر التجار والإدارة إلى فضاء الرأي العام، بين…

    السوق العالمي لخام الحديد يدخل دورة جديدة / د. يربانه الخراشي

    أظهرت التقارير المالية لأداء الأربعة الكبار خلال العام المنصرم تأثر أرباحها الصافية بدرجات متفاوتة نتيجة لانخفاض الأسعار، حيث بلغ صافي أرباح شركة ريو تينتو 11.55 مليار دولار أمريكي، بزيادة 15%…

    الرياضة

    موريتانيا تتعادل وديا مع تونس

    • نوفمبر 13, 2025
    • 3 views
    موريتانيا تتعادل وديا مع تونس

    موريتانيا تتعادل خارج الديار في الجولة الخامسة من تصفيات كأس العالم

    • مارس 22, 2025
    • 1 views
    موريتانيا تتعادل خارج الديار في الجولة الخامسة من تصفيات كأس العالم

    ولد يحي ضمن الفائزين العرب بعضوية الFIFA عن قارة أفريقيا

    • مارس 12, 2025
    • 1 views
    ولد يحي ضمن الفائزين العرب بعضوية الFIFA عن قارة أفريقيا

    تصفيات الشان : فوز المنتخب الموريتاني للمحليين على نظيره المالي

    • ديسمبر 22, 2024
    • 0 views
    تصفيات الشان : فوز المنتخب الموريتاني للمحليين على نظيره المالي

    اسنيم كانصادو يتوج بطلا لكأس رئيس الجمهورية

    • نوفمبر 28, 2024
    • 1 views
    اسنيم كانصادو يتوج بطلا لكأس رئيس الجمهورية

    موريتانيا تفشل في التأهل وبوتسوانا تعبر رفقة مصر إلى الكان

    • نوفمبر 19, 2024
    • 1 views
    موريتانيا تفشل في التأهل وبوتسوانا تعبر رفقة مصر إلى الكان