في ظِل حالة الصّخب العربيّ، واتّساع دائِرة الحِراكات الشعبيّة في أكثر من دولةٍ، خاصّةً في الجزائر، الجار القريب، أو في السودان الأبعد جُغرافيًّا الأقرب ثقافيًّا، تبدو موريتانيا هادِئةً وديعةً مُتصالحةً مع نفسها وجيرانها، رغم أنّها تقِف على أعتاب انتخابات رئاسيّة جديدة.
هذا البلد الأصيل الذي حكمت عليه العوامل الجغرافيّة أن يكون النّقطة الأبعد عن المشرق العربيّ، يبدو الأكثر تمسّكًا بعُروبته وعقيدته الإسلاميّة، فقد دخل التّاريخ الحديث بأنّه أوّل دولة عربيّة تُغلِق السّفارة الإسرائيليّة وتطرُد السّفير، والأكثَر من ذلك تُرسِل الجرّافات لاجتِثاث مبنى السّفارة من جُذوره، حتى لا تُبقي أيّ أثر لهذا “الدّنس”، حسب وصف أحد السّياسيين البارزين.
غريبة موريتانيا هذه، بلد زاهد بالشّهرة ومُغرم أهلها وقيادتها بالتّواضع والطّيبة، والمُباهاة بالثّقافة والشّعر والرواية، والتّمسّك بالقِيم الإسلاميّة العربيّة الأصيلة لدرجة التطرّف، إنّها امبراطوريّة لغة الضّاد، وقلعة الخليل ابن أحمد، وإرث سوق عكاظ الشعريّ، ولا غرابة أن تُسمّى بدولة المليون شاعر.
في الوقت الذي يتمسّك زعماء عرب طاعنين في السن، تجاوز مُعظمهم الثّمانين بمراحل، ويُعاني بعضهم من مرض “الزهايمر”، وفُقدان جزئي أو كلّي للذاكرة، بكرسي الحُكم، وتعديل الدستور لكي يُقيمون على كرسي العرش حتّى الموت، يعلن رئيس موريتانيا الرياضي الذي يبدو أصغر من عمره كثيرًا (63 عامًا) عن التِزامه بالدستور الذي يُحدّد رئاسته بفترتين فقط، ويطرُد الجوقة “المُنافقة” التي طالبته بتعديل الدستور والبَقاء في الحُكم.
***






