الثقافة والفن

” نافذة على الشعر ” مع الشاعر ” عنفار سيدي أجاش “

من هو الشاعر عنفار سيدي؟

مواطن من العالم يسافر بأحلامه وأحزانه. ولدت ذات ليلة مظلمة في بادية موحشة بين المكان وللا مكان. ملثم بالمجهول من بلاد الملثمين. جسديا فأنا أحسب أحد سكان مدينة أطار، لكنني من كل شبر في وطني.
العمر ملايين السنوات من الأحلام والآمال، أم السكن، فليس لي مستقر في هذا العالم سوى رقعة أجد فيها قبسا من أحلامي وآمالي. أوجد حاليا في العاصمة الأمريكية، وربما يرمي بي موج الغربة غدا في مكان آخر.

إلى أي مدى أسهم اغترابكم في نضوج تجربتكم الشعرية ؟

الغربة شلال من الإلهام، يبرهن على ذلك وجود شكل أدبي في الشعر العربي، اسمه أدب المهجر برواده الكبار مثل ميخائيل نعيمة. الغربة تجعل الشاعر متفرغا للكتابة ونارها تجعله يشتعل شعرا ولوعات وأشواقا تتحول إلى قصائد تمثل جزءا مهما من إنتاجه الشعري.

هل أنتم راضون عما وصلت إليه تجربتكم الشعرية حتى الآن ؟

في الحقيقة أنا بين الرضا والسخط.

أطار ، طنجة ، فرجينيا .. ماذا تعني كل من هذه المدن للشاعر عنفار ؟

هذه الأماكن ذات دلالة خاصة في تجربتي، ففي أطار ولدت أولى قصائدي وترعرع حبري، وفي طنجة آنست نار القصيد، وأوحى إلي شيطان الشعر ما أوحى من قصائد أعتبرها ذات قيمة بالغة في تجربتي. أما في فرجينيا فقد اكتشفت فيها وديان عبقر وأتاني هدهد القوافي بعروش بعض القصائد.

كيف ترون الساحة الثقافية الوطنية ، ونشاط العاملين فيها؟

لست متابعا لها كثيرا، وأتمنى أن تكون دائما بخير. موريتانيا فيها من الشعراء والأدباء ما يؤهلها لأن تكون دائما في الريادة.

ماذا تحتاج ساحتنا الأدبية لتكون بحجم تطلعاتكم ؟

تحتاج حركة ثقافية دؤوبة جدا ورعاية رسمية واهتماما شعبيا وطاقات وكفاءات عالية تقدس الثقافة وتسعى دائما لتطويرها.

هل من مؤشرات على تصدر موريتانيا المشهد الشعري العربي مستقبلا ؟

موريتانيا مظلومة دائما في هذا المجال. هناك حكم مسبق بأن موريتانيا لا تساير التغيرات والتطورات التي يشهدها الشعر، فالإخوة العرب للأسف يعتبرون الشعر الحر معيار الشاعرية الوحيد، ونحن في موريتانيا نفضل عمود الشعر. نحن متصدرون ولو قيل العكس، ونعترف للإخوة الآخرين بجمال شعرهم وفحولة شعرائهم.

من هم شعراء الصف الأمامي وطنيا حاليا بالنسبة للشاعر عنفار سيدي ؟

لا أستطيع الحكم على الشعراء، فهم أساتذتي، وأنا مجرد متطفل على الشعر، لكن من باب إبداء الإعجاب وليس الحكم، فإن محمد ولد الطالب يعجبني كثيرا.

كيف ترون التجارب الشعرية الشابة ، وهل لنا بأسماء تتنبؤون لها بمستقبل شعري عظيم ؟

الشعراء الشباب بحاجة إلى أن يكونوا مثل الصقور التي تحلق في مداءات بعيدة بعيدة عن وصاية الأبوين، تكتفي بأنها تعلمت الطيران وتقنيات الصيد وتترك لنفسها حرية تطوير مهاراتها. كذلك الشعراء الشباب عليهم أن يخرجوا من عباءة الذين سبقوهم، عليهم أن يهتموا بالخلق والابتكار وعليهم أن يكونوا قادرين على ترك بصماتهم.

مواقع التواصل الاجتماعي بإتاحتها منصة لكل التجارب الشعرية هل قدمت للساحة الشعرية أم أنها ميعتها ؟

يحسب لمواقع التواصل الاجتماعي أنها شكلت جسرا بسن الشاعر والمتلقي، وجعلت الشعراء يحسون بأن أصواتهم مسموعة ووجهت إليهم شيئا من الضوء الذي كانوا بحاجة إليه. اعتقد أنها إيجابية كثيرا للشعراء والمتلقين.

أيهما يفضل عنفار سيدي أكثر وصفه بالشاعر أم بالأعلامي ؟

أرجو أنني أجمع بين الحسنيين.

ما مشاريعكم الشعرية على المديين القريب والبعيد ؟

أهم مشروع عندي حاليا هو طبع ديواني “القريحة المشاكسة”. أتمنى أن يرى النور قريبا وأن يقدم مساهمة للساحة الشعرية الوطنية والعربية.

كلمة أخيرة لجمهوركم عبر تيرس برس :

تخيلوا أنفسكم في ليلة مقمرة، فوق كثيب رملي ذهبي رخو، تداعبكم نسمات عليلة. تجالسون النجوم الصامتة والقمر المسافر بحثا عن من يبعث له النور. تأملوا ذلك القمر الذي يمنح النور بصمت ودون أن يطلب مقابلا من أجل الحياة التي يمنحها للملايين حين يطرد الظلام عنهم، تأملوه جيدا وحاولوا أن تكونوا مثله، تمنحون الحياة دون مقابل ودون انتظار مقبل، تخيلوا كم ستكونون محبوبين مثل القمر.

نماذج من شعركم :

رحيق الحب :

حبٌ توضأَ من عينيكِ واغتسلا
وعانقَ القلبَ موَّالاً يَحِنُّ إلى..
أسْكَرْتَ كلَّ حروفي، فانبرى قلمي
يُسطِّر الشعرَ، مِنْ أبياته ثَمِلا
ضاق المجازُ بما تحويه أوْردتي/
من البراكينِ والنيرانِ فارتحلا
فرحت ألهث مصحوبا بقافية
لأُلبِِس البوحَ من أثوابها حُللا
ولي بعبقرَ شيطانٌ سيجلب لي
عرشَ القصيدة والألفاظَ والجملا
ما آنَسَ الشَّعرُ من نارٍ، فيمّمها
إلاَّ وَكُنتِ لَهُ مِنْ نورها رُسُلا
وكُنتِ عند احْتضارِ الضوء بوْصلةً
تشيرُ للقلب، لَمْ تطلبْ له بَدَلا
ونخْلةً من ثمارِ الشوقِ يانعةً
تهزُّها الروحُ تـَسَّاقطْ لها قبلا
عبرت نحو فؤادي صرحَ أغنيةٍ
من المحبة تهدي الزهر والعسلا
فصرتُ أسرق من عينيك إن نظرت
نارا لأنقذ من برد بها أملا
أروّضُ البعدَ، كم شلّتْ مسافتُه/
يدَ اللقاء، وكما صاحتْ تردِّدُ: لا
طيفٌ من الأمس مُختالٌ بذاكرتي
وصورةٌ من وداعٍ تسكنُ المقلا
ودمعةٌ في جفون الصمت حارقة
يغتالها الصبرُ مغرورا ومنفعلا
تروي القصائدُ عن قيسٍ وَمَنْ عشقوا/
وعن جميلٍ وما لاقاه مشتعلا
أنِّي عشِقتك عشق اللحنِ عازفَه/
شوقي، كما النّايُ عن غاباته فصلا

إلى عينيك

أنـا أحبــــــــكِ، لـيس البعدُ يبــــعدني…ضمي إليـــــكِ حبيبا باتَ مُشْتاقا

الأرضُ ضاقتْ، ولا في الكونِ متسعٌ…لكن حضنكِ عنه الدهرْ ما ضاقا

أنتِ الأمــــانُ إذا بــــاتــــت تعذبـُـه…أشواقُ فـــــاتنةٍ للنـــومِ مـــــا ذاقا

ضميـــه حانيــــة، ضميــــه عاشقة…ضميـه بـــــاسمة، ضميــــه اشفاقا

جــــمُ الدمــــوع إذا أضنـاه مهجرُه…وصافـــــيَ العِشْــق في بينْ له لاقا

بستانُ أضلـــــعِه تسقيــــه رِقتُــــه… فينبتُ القـــلبُ أزهــــــارا و أوراقا

كــــلُ الأحاسيس تحيا في مَمـَـالكِه…إذا جَلسْنَ تـــدلى النخــــلُ أعــــذاقا

منهُ المحبــــةُ عنـــوانٌ ومعتــــقدٌ…لا كفــر بالحب يا ذَا القلب إطــــلاقا

بينُ الحبيبة والأشــــواقُ تحــرقِه… كطائرِ القومِ، لا تقتـــله إحـــــــراقا

سيجمع الريشَ بعد الحرْق يُنْبته….من الرمـــاد حتى استـــحالْ.. عِمْلاقا

صَفَّ الجناحَ وريحُ العشقِ تجذبُه….وطــــــارَ نحْــــوكِ يا حبـــا له راقا

فيكِ الغروبُ إذا غابتْ مشـاعرُه… وإن بُعِثْنَ، فمنْ عيْـنـيـْك اشـــــــراقا

أنتِ الشموسُ وأنتِ الصبحُ أرقبُه…هيـــــا بِنَا، لِنــــكنْ للفــــجرِ سُـــرَّاقا

هيا بِنَا لقطــــافِ الحُـب من شَفةٍ… تكادُ تقطرُ مـــــــثل الشُـــــهْدِ أشْواقا

ما عاد في الجسد المنهار من جلد… على الفراق، لهــــذا الحب مُنْـــسَاقا

وإنْ ضممْتـُــكِ بعدَ البيـــنِ دامعةً….فســــوفَ أبقى لــذكَ الضـــمْ.. تواقا

مدي يديْـــك، فإني جئت سيِـــدتي…لأمســـحَ الدمـــعَ من عينيْكِ رَقْـرَاقا

لم البكاءُ؟ ودمـــــعُ العين يَحرِقُني…لا تَسْكبيهْ.. على الخـــــدينْ بَــــرَّاقا

إذا بكيتِ، ففي صمتــْــي يعذبــُـني…و إن ضـــحكتِ يطيرُ القــلب خَفًّاقَا

جراحات الحاء

عتمُ الطريقُ على الفؤادِ السَّارِي….. لا تعزفي قد قُطعتْ أوْتاري
مُوتي على َصدْرِ الهلالِ خيانة…..وتَشتتي كالنجمِ في الأسْحارِ
لا صوتَ للحاءِ الجميلِ بأرضنِا…..والباءُ من خاء الزمانِ حذاري
داستْ عليك نقاطُها وحروفُها….. فلأيها يا حاء سوف تداري؟
دوسي على حاءِ الحبيبِ وبائه….. لا تبحثي عن سيءِ الأعذار
لا عيبَ في تركِ الحبيبِ حبيبتي…..سيُطلُ من بعدِ الظلامِ نهاري
عبثُ الرياح بزورقي وشراعه…..بُعْدُ المراسي. حسرةُ الإبحار
لا تطفئ الأملَ المُشعَ بداخلي…..يين الغيومِ تلألؤ الٌأقـــــــمار
الأرضُ من حواء ملأى؛ لم تزلْ….. تهدي المحبَ مُعَطَّرً الأزْهار
منك الإساءةُ، والمحبة شِرْعتي…..إني النحيلُ وهذه أحجــــاري
وتُحرِّقينَ الزرع قبل حصاده…..سأعــــود بعد النار بالأشجار
من فوقِ فلكك في الطمي رميتِه…..قبل الوصولِ ودونَما إنذار
أريتَ فوق الموج قاربَ حبه…..بين الجنوب وشمأل الأقدار
لا فرقة الإنقاذ تسرعُ نحوه…..ويُصارع الأمواج بالإصرار
ننجو بجسمينا ويفنى حبُنا…..الحبُ يرفضُ عودةَ الإعمار
لا تسألي عني فعمري واحد…..مَلَكُ الغروبِ يلُفني بدثاري
و إذا أردت الحجَّ ليس لخافقي….. دمـــرتِه وعبثتِ بالأسْتارِ

محمد محمود الساسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق