آراء وأقلام

جدلية التوظيف غير المستحق /د.محمد محمود سيدينا

رصيد الخواطر 12

من دلائل عمق الأزمة التي أنتهت إليها العشريات في هذا البلد أن أي توظيف أو تعيين أو ترقية لأي مواطن في أي موقع لن تجد لها تفسيرا إلا من خلال الجهة أو القبيلة أو العرق!… حتى لو حصل أن عين السيد “آينشتاين” موظفا في مختبر الفيزياء النووية _ مثلا_ فلن ينصرف فهم الناس لهذا التعيين إلا الى كون آينشتاين عيّن لأنه من القبيلة الفولانية أو لأنه من الشرق أو من الغرب أو الجنوب أو الشمال أو لأن قريبه وزيرا أو جنيرالا نافذا أو وجيها قبليا لحلاحا … الناس لم يعودوا يؤمنون بأن أحدا يمكن أن يوظف أو يرقى لشهادته أو كفاءته أو خبرته إذ هذه كلها لم تعد لها قيمة في العرف السائد في هذا البلد … و تلك هي الكارثة المطلة برأسها المخيف على هذه الدولة عاثرة الحظ.

***

كل تعيين لا يتم عن طريق مسابقة شفافة و نزيهة مؤسسة على معايير علمية سيكون موضوعا خصبا للقيل و القال … بحق و بغير حق… لا لوم على الناس إن ذهبوا كل مذهب يتتبعون قرابات و علاقات المعيَّنين لعلهم يفهمون سبب تعيينهم … أقول لا لوم على الناس فيما يذهبون إليه من ذلك لأنهم تعودوا على أن التعيينات التي تحصل في هذا البلد تكون غالبا على أساس القرابة و المصاهرة بدل الكفاءة و التخصص… و من لا قرابة له فليست له أية فرصة و لو أتى بشهادات و خبرات لم تأت بها الأوائل… مؤسف و لكنه الواقع.

***

مكمن الإشكال ليس في كون الموظف يستحق أو لا يستحق… الإشكال في أن التعيين يتم خارج الضوابط و القواعد … هذه الضوابط و القواعد بعد المرور بها هي التي تعطي للموظف الثقة في النفس من ناحية و من ناحية أخرى هي التي تقنع من لم يوظف بأن عليه أن ينتظر حظا أوفر في الفرصة القادمة و عليه سينصرف راشدا راضية نفسه متطلعا لمستقبل أفضل بإذن الله.

***

لست أدري ما الذي يمنعنا في كل مؤسسة من وضع معايير لإختيار أمثل الناس في أية وظيفة شاغرة أو مستحدثة… من المؤكد أننا إن فعلنا سنربح مرتين… مرة بتعزيز ثقة الناس في أنفسهم و في دولتهم و مؤسساتهم… و مرة بالحصول على رجل مناسب في المكان المناسب…

***

ما دام التعيين في الناصب الرسمية يسبب هذا الكم الهائل الذي نطالعه كل يوم من التهانئ و “التبريكات” فذاك مؤشر -من وجهة نظري – على أن الأحوال في البلد ما زالت ليست بخير… يجب أن تزول العقلية المترسخة منذ عقود و التي يرى أصحابها أن أسرع طريق للثراء عندنا هو التوظيف… علينا أن نتذكر أنه من النادر في كل الدنيا أن تجد موظفا ثريا باستثناء البلاد التي ينخرها الفساد من الرأس الى أخمص القدم…

***

الفساد في التعيينات أيها السادة لا يقل خطرا عن الفساد في الصفقات… و تعيين موظف فاشل يشبه بالتمام و الكمال إنجاز مشرع فاشل يكلف كثيرا و لا مردودية له… و على القوى الحية في المجتمع أن تتصدى لظاهرة التعيينات الزبونية تماما كما تتصدى لملفات الفساد… فالفساد كله ملة واحدة و لعل أخطره وضع الرجل في مكان لا يناسبه.

***

المؤسسات العريقة في هذا البلد أضحت أضحوكة و مادة للتندر بسبب ما حل بها من فساد فاق كل توقع… يتم إنشاء الإدارات فيها لأن أحدهم يشتهي أو يشتهى له أن يصبح مديرا… الترقيات تمنح في صفقة تبادل مصالح بين النافذين على طريقة “حكّ لي كي أحك لط”…

المسابقات على ندرتها تصمم على مقاسات محددة و مضبوطة سلفا بحيث لا تسمح بالمرور إلا لمن يراد له أن يمر…

***

الخيارات أمانا محدودة و الوقت لم يعد في صالحنا أيها السادة … يوجد أمامنا خياران إثنان… الأول هو مواصلة نهج العشريات البائسة و لكم أن تتصوروا ما يمكن أن تؤول إليه الحال… الثاني هو تغيير العقليات ثم الإقلاع بشكل كامل و نهائي عن عاداتنا التي لم تعد تصلح زمانا ز لا مكانا و إبدالها بما يصلح حالنا و يضمن إزدهار مستقبلنا من قوانين و نظم لا تجامل و لا تحابي أحدا… نتساوى أمامها و نتقاسم من خلالها الفرص دون تمييز و لا تهميش و لا إقصاء من أحد لأحد …

في البلد الذي لا يطبق فيه القانون سيكون من السهل أن يعلن كل واحد أنه مظلوم!… إذ القانون هو المقياس الذي نقيس عليه لنميز العدل من الظلم و نعرف صاحب الحق جدارة لا إدعاء من غيره … بدون ذلك سترى أن أصحاب السجون و عتاة المجرمين- مثلا- يعتقدون أنهم مظلومون… فهم لم يقتلوا إلا دفاعا عن شرفهم و أنفسهم و لم يسرقوا إلا إنتقاما للفقراء من الأغنياء … و الموظفون مظلومون لأنهم لم يرقوا الى رتبة مديرين و المديرون مظلومون لأنهم لم يرقوا الى رتية وزراء و … الذي أريد الوصول إليه هو أن سيادة القانون مهمة ليس فقط كمقياس للعدل بين الناس و إنما أيضا ليرضوا بما قسم لهم و ليكفوا عن منح المظلومية لأنفسهم بالمجان … بدون ذلك لا غرابة في أن ترى كل جهة أنها مظلومة و كل قبيلة و كل شريحة … يرى المعلمون أنهم مظلومون و يرى الأساتذة و العمال و … أنهم مظلومون… في النهاية الكل مظلوم حسب مقياسه الذي يخصه!….

***

أطالب باسم العاطلين و المهمشين و باسم الذين ليس لهم قريب و لا وزير و لا رئيس حزب و لا جنرال و لا “لحلاح” يتّقى لسانه … باسم كل هؤلاء أطالب بسن قانون صارم و حاسم _إن لم يكن موجودا مجمدا في مكان ما من منظمتنا القانونية المعطلة_ يمنع كل توظيف أو ترقية في أي موقع إلا عن طريق مسابقة شفافة و نزيهة وفق محددات و معايير علمية تتعلق بالوظيفة و ليست مفصلة على مقاس من يسعى النافذون الى دمجهم كما هو حال المسابقات القليلة التي تعود عليها الناس ذرا للرماد في عيون الغلابى… من يخالف هذا القانون سيكون عليه أن يدفع لخزينة الدلة غرامة معتبرة بالإضافة الى قضاء فترة “نقاهة” في الخدمة العامة … هذا و خير الكلام ما قلّ و دلّ.

د. محمد محمود سيدينا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق